أثير- المحامي صلاح بن خليفة المقبالي



تطرقنا في زاويتنا السابقة إلى الحديث عن الاستقالة، وها نحن اليوم نكمل حديثنا بشأنها، إذ لاستقالة الموظف العام أحكام عدة، ومن بين الأمور التي تأتي ضمن الاستقالة ما يُعرف بالاستقالة الضمنية، وهي إفصاح الموظف العام برغبته في ترك العمل لكن ليس بالصورة الصريحة مثل ما سبق وبيناها في زاويتنا الماضية، ولكن هذه المرة يكون هذا الإفصاح ناتجا عن تصرف يقدم عليه الموظف اعتبره القانون قرينة دالة على عدم رغبته في مواصلة العمل والاستقالة منه، وهذا ما سنبينه في زاويتنا القانونية لهذا الأسبوع عبر “أثير”.

فقد نصت المادة (140) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (120/2004) والتي جاء فيها ما نصه: (تنتهي خدمة الموظف لأحد الأسباب الآتية: (أـ….. ب ـ …… ج ـ الاستقالة….) وتنص المادة (145) من ذات القانون على أنه : (يعتبر الموظف مقدما استقالته في الحالتين الآتيتين : أـ إذا تغيب عن عمله مدة ثلاثين يوما متصلة أو خمسين يوما غير متصلة في السنة، وتعتبر خدمته منتهية اعتبارا من تاريخ تغيبه إذا كانت المدة متصلة، ومن اليوم التالي لاكتمال مدة التغيب إذا كانت غير متصلة ما لم يعد إلى عمله خلال أسبوع من اكتمال إحدى المدتين ويقدم عذرا مقبولا، ويستثنى من شرط العودة خلال هذا الأجل من كان غيابه نتيجة عذر قهري. فإذا عاد الموظف وقدم عذرا مقبولا حسبت مدة الغياب إجازة اعتيادية حسبما يسمح به رصيده منها، وذلك بمراعاة الحد الأقصى لمدة الإجازة المنصوص عليها في المادة (65) وإلا حرم من راتبه الكامل أو جزء منه حسب الأحوال. أما إذا عاد خلال الأجل المذكور ولم يقدم عذرا أو قدم عذرا غير مقبول حرم من راتبه الكامل عن مدة تغيبه مع عدم الإخلال بالمساءلة الإدارية. ب ـ …. ولا يجوز اعتبار الموظف مستقيلا في الحالتين إذا كانت قد اتخذت ضده إجراءات المساءلة الإدارية). وتنص المادة (62) من ذات القانون على أنه: (لا يجوز للموظف أن ينقطع عن عمله إلا لإجازة يستحقها في حدود الإجازات المقررة بمقتضى هذا القانون، وطبقا للإجراءات التي تحددها اللائحة) .وتنص المادة (115) من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رقم (9/2010) على أنه: (لا تحسب إجازات الأعياد والمناسبات والإجازات الرسمية التي تعلنها الجهات المختصة بالدولة عدا الإجازة الأسبوعية ضمن مدة غياب الموظف عن العمل ولو توسطت هذه الإجازة مدة الغياب أو أعقبتها).


ومفاد النصوص سالفة الذكر أن الموظف تُنهى خدماته بالاستقالة الحكمية إذا انقطع عن العمل لمدة ثلاثين يوما متصلة بحيث لا يشوب انقطاع المدة حتى اكتمالها أي عودة للعمل، فإذا عاد الموظف خلالها أو خلال أسبوع من اكتمالها فإن قرينة الاستقالة الحكمية لا تسري بحقه، وأما إذا لم يعد خلال الأجل الذي رسمه القانون بثلاثين يوما متصلة أو بعد أسبوع من استكمال المدة المشار إليها فإن قرينة الاستقالة الحكمية تكون بيد الجهة الإدارية لإعمالها وفق سلطتها التقديرية إن شاءت أعملتها وإن شاءت لم تعملها، ولا يمكن إعمال هذه القرينة إذا عاد الموظف للعمل وأوضح أن الغياب كان لعذر قهري خارج عن إرادته، فهذا لا يدخل ضمن نطاق القيد الزمني للاستقالة الحكمية، هذا في الفرض الأول فيما يتعلق بالغياب لأيام متصلة، أما إذا تغيب الموظف لمدة غير متصلة فهنا المشرع لم يترك المجال للموظفين الذين تسول لهم أنفسهم التهرب من المسؤوليات الملقاة على عاتقهم والأمانة الوظيفية التي يحملونها، فاعتبر أن من يتغيب لمدة خمسين يوماً غير متصلة خلال السنة الواحدة مستقيلٌ حكماً، ويسري بشأنه ذات الاستثناء المقرر للغياب المتصل.


كما أنه لا يسوغ قانونا التذرع بعدم مباشرة العمل لتقديم تظلم للجهة مصدرة القرار أو رفع دعوى قضائية ذلك أن منح الإجازات بكافة أنواعها منظمة بأحكام القانون وباتباع إجراءات تستلزم في أغلبها موافقة جهة العمل، وإلا لأضحى القول بخلاف هذا تعطيل سير العمل بانتظام واطراد .
ومن المستقر عليه قضاءً أن علم صاحب الشأن بالقرار يجب أن يكون يقينيا لا ظنيا ولا افتراضيا ويثبت هذا العلم من أية واقعة أو قرينة تفيد حصوله دون التقيد في ذلك بوسيلة إثبات معينة ،كما استقر القضاء الإداري في شأن الاستقالة الحكمية أن قرينة الاستقالة المستفادة من انقطاع الموظف عن العمل مقررة لصالح الجهة الإدارية التي يتبعها الموظف، فإن شاءت أعملتها في حقه واعتبرته مستقيلا، وإن لم تشأ اتخذت ضده إجراءات المساءلة الإدارية .(مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها محكمة القضاء الإداري في العام القضائي الثالث عشر، رقم الصفحة (501))، وهنا يتبين وجه السلطة التقديرية للجهة الإدارية في إعمال قرينة الاستقالة الحكمة، فضلاً عن أنه متى ما قامت الجهة الإدارية بإحالة الموظف للمساءلة الإدارية عن تغيبه إلى مجلس المساءلة ففي هذه الحالة لا يمكن للجهة الإدارية إعمال قرينة الاستقالة الحكمية، لسبب وجيه جداً ألا وهو أنه لو تم إعمال قرينة الاستقالة الحكمية على الموظف الذي تتم إحالته للمساءلة الإدارية سيترتب عليه توقيع عقوبتين عن ذات المخالفة وهذا أمر غير جائز قانوناً ويعد من قبيل التنكيل بالموظف العام، وإساءة استعمال للسلطة المخولة للإدارة، فلذلك قرر المشرع عدم إمكانية استعمال قرينة الاستقالة الضمنية على الموظف الذي تتم إحالته للمساءلة الإدارية.

للاطلاع على الزاوية القانونية الماضية تابع الرابط التالي: